الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
156
تفسير كتاب الله العزيز
وجاء الحثحاث أبو عقيل « 1 » ، رجل من الأنصار ، إلى النبيّ عليه السّلام فقال : يا رسول اللّه : بتّ البارحة أجرّ الجرير « 2 » على صاعين من تمر . فأمّا صاع فأمسكته لأهلي ، وأمّا صاع فهذا هو . [ فقال له نبيّ اللّه عليه السّلام خيرا ] « 3 » ؛ فقال المنافقون : واللّه إن كان اللّه ورسوله لغنيّين عن صاع أبي عقيل . فأنزل اللّه هذه الآية . وقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ : أي خالفوا اللّه ورسوله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) : أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند اللّه . وهذا فسق النفاق ، وهو فسق دون فسق ، وفسق فوق فسق . وكانوا يأتون النبيّ عليه السّلام ويعتذرون إليه ، ويقولون : إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى [ التوبة : 107 ] و إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) [ النساء : 62 ] . فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قد خيّرني ربّي ، فو اللّه لأزيدنّهم على السبعين « 4 » ؛ فأنزل اللّه هذه الآية في سورة المنافقون سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 ) [ المنافقون : 6 ] وهو فسق النفاق . وهذا ممّا يدلّ أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول اللّه ، ولم يقل : لأزيدنّ على السبعين مرّة في الاستغفار لهم ؛ وما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليجهل الشرك فيستغفر لأهله ، وقد قال اللّه : ما
--> ( 1 ) أخرج الحديث البخاريّ عن أبي مسعود الأنصاريّ في كتاب التفسير ، باب ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ ) . وأخرجه ابن جرير الطبريّ من طريق سعيد عن قتادة مرسلا في تفسيره ، ج 14 ص 384 - 385 . وقد اختلف الرواة في اسم أبي عقيل صاحب الصاع ؛ فقد ورد اسمه في مخطوطتي ق وع بلفظ الجحاب ، وكذلك ورد في تفسير الطبريّ بالحاء والباء . وقد أورد الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، ج 8 ص 331 مختلف هذه الروايات . ويبدو لي أنّ الراجح في ضبطه ما أثبتّه : « الحثحاث » بالحاء وبمثلّثتين ، كما ورد في الإستيعاب لابن عبد البرّ ، ج 4 ص 1717 ، واللّه أعلم . ( 2 ) الجرير هو الحبل ، ويعني أنّه بات يستقي الماء من البئر وهو يجرّ حبل الدّلو . ( 3 ) زيادة من ز ، ورقة 131 . ( 4 ) أخرجه البخاريّ في كتاب التفسير عند تفسير الآية من سورة التوبة ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما . وأخرجه الطبريّ في تفسيره ج 14 ص 396 عن ابن عبّاس مرفوعا ، وعن قتادة مرسلا .